وجـــه آخــــر مـن وجـــــوه أنـــــدي وارهــــــول الـكـــثـــيــرة

المقاله تحت باب  فنون عالمية
في 
01/04/2008 06:00 AM
GMT



 - هل ترى نفسك في المرآة؟
 
لا، إنه لأمر غاية في الصعوبة أن ننظر في المرآة، فلا شيء هناك. كان الفنان الأميركي أندي وارهول (1928 - 1987) ماكينة لإنتاج الأعمال الفنية. كلما أقيم معرض استعادي لفنّه في مكان ما من العالم، يتأكد من جديد ذلك الاستنتاج، فهناك دائما ما يمكن اعتباره جديدا، وما لم يُر من قبل بطريقة جيدة من إنتاجه الفني. "أصوات أخرى، أمكنة أخرى"، هو عنوان المعرض الذي يعود من خلاله وارهول إلى ستوكهولم في ذكرى مرور أربعين سنة على آخر معارضه الكبيرة في العاصمة الاسوجية (عام 1968). الجملة مقتبسة من عنوان إحدى روايات ترومان كابوت الذي كان وارهول مغرما به، غير أنها تجسد بشكل دقيق ومختزل جزءاً شاسعا من عالم وارهول، لم يكن دائما في متناول أيدي المعجبين بفنّان "البوب" الذي كان يعتبر الابتذال جوهرا في الحداثة الفنية وهدفا لها. فعلى رغم أن المعرض اشتمل على عدد كبير من التخطيطات والرسوم وأعمال الحفر الطباعي التي أنتجها الفنان في مراحل مختلفة من مسيرته الفنية، غير أن الجزء الأساسي منه هو ذلك الذي يعنى بإنتاجه السينمائي والتلفزيوني، وهو نشاط قلما اهتم به عشاق فنه من الخبراء أو الناس العاديين على حد سواء. مقولته الصادمة "أنا لا أقرأ، أنا أنظر إلى الصور فقط"، تبدو مجسدة في تلك الأعمال التي يحتاج المرء من أجل رؤيتها بتمعن لأكثر من زيارة لقاعات متحف الفن الحديث. 13 فيلما سينمائيا و6 أفلام فيديو و42 حلقة تلفزيونية، كلها تُعرض في وقت واحد.
 
 ولأن وارهول يقيم في تماهيه مع مفاجأته، فإن متعة مشاهدة أعماله يتخللها نوع من الشعور بالتعب بل والندم، خشية سوء الفهم الذي تتسبب به رغبة المرء في أن يرى المعرض كاملا، ولكن لا ينفع الركض مع فنان قرر "أن كل شيء جميل". "كل الحياة أو لا شيء"، جملة لم يقلها وارهول غير أن حقيقته تكمن فيها، ولولا إيمان ذلك الفتى الأشقر ذي الأصول السلافية بتلك الجملة لما كان أنتج فنا، أو على الأقل لما استطاع أن يكون وارهول الذي نعرفه. كانت حياته هي المغامرة العظيمة التي سعى إلى تسجيلها، وإن كان العالم الخارجي هو موضوعه، وهو عالم يبدو أحيانا على قدر كبير من التبسيط، حيث تطغى عليه أفكار رجل الشارع الذي تخطف أضواء الشهرة والإعلان وأكاذيب السياسة عينيه وتذهب عميقا إلى لاوعيه. ومع ذلك فقد نجح وارهول في إنقاذ ذلك العالم من تشتته الاستهلاكي المريض ليحوله إلى مجموعة من الأيقونات، التي يمكنها أن تكون عناوين لافتة في إمكانها أن تعيننا على فهم صيرورة عصرنا. كان وارهول في هذا المعنى مؤرخا التقطت عينه اللحظات العصيبة من حياة كانت دائما في طريقها إلى الغياب.
 
 فنان من هذا النوع، غايته أن يهب الحياة العادية معنى مؤثرا، بل ولامعا، لا بد أن يجد في الصور المتحركة نوعا من الحل لمشكلة تعجز الصور الساكنة عن مواجهتها. كان وارهول في كل أفلامه التي أنجزها ما بين عامي 1964 و 1968، يمارس فعل المشاهدة من خلال عدسة الكاميرا، فهل كان يكتفي بذلك فعلا؟ كانت مصائده منصوبة دائما، بل ومفتوحة أمام اللقى التي تستحضرها لقاءات غامضة بين وقائع عادية. وارهول التاريخي موجود في كل لحظة حركة. لا شيء يخطئ الطريق إليه. "أنا نائم"، عنوان أحد تلك الأفلام، يصور وارهول من خلاله صديقه الشاعر وهو ينام في سريره عاريا، ولأن نوم الشعراء هو في حد ذاته حدث مبهم فإن وارهول يهبنا فيلما عن النوم الذي هو نوع من الحياة. وهو ما كان يفعله وارهول مع كل موضوع تشتبك به عيناه: المطبخ، الخيول، حياة مثلية، سرداب بيتهم، صورته الشخصية، والصابون الذي ينتج أوبرا والنظر من الطبقة الأربعين لمبنى "أمباير ستيت" وسواها من الموضوعات التي وجد الفنان فيها مفاتيح مادية لأبواب لا تزال أجزاء منها غاطسة في الوهم. فعالم وارهول المتحرك هو عينه ذلك العالم الساكن في رسومه الذي لا يعترف بالحدود التي تفصل بين الواقع والوهم، بين الحضور والغياب، بين المادة والنظرية. تقول الصورة اكثر مما تظهره، لا لتعمق الإحساس بتفاصيلها، بل لتشير إلى رمزية العالم الذي تنتمي إليه. لذلك لم يكن وارهول واثقا من صورته الشخصية، وهو ما دفعه إلى العمل كادحا في مختلف مراحل حياته على اختراع صور مختلفة تظهره كما لو أنه يولد من جديد في كل صورة من كل الصور. غربة وارهول تكشف عنها تلك الصور الشخصية الساكنة أو المتحركة على حد سواء،
 
 وهي غربة حاول الفنان أن يزجّ بالعالم كله بين ثناياها ليكون في منجى عن عصفها. في كل أفلامه لا يبتعد وارهول كثيرا عن محاولة تقديم بورتريهات لبشر يقيمون في الجهة المتوترة من لحظة العيش. وهي الجهة التي نستطيع من خلالها أن نرى إلى الحياة وهي تمتزج بغيابها الملهم. مشى وارهول بقلق في الفراغ الذي يفصل بينه وبين صورته في مرآة لا يمكن النظر إليها، ذلك لأنها لا تظهر شيئا مما تراه. وارهول وبعد أكثر من عشرين سنة على وفاته، يحضر ليعيدنا إلى لحظة استفهام مشبعة بحداثتها: كم نحتاج من الحيوات لنقوى على اختراق كثافة حياة واحدة لم نعشها بما يليق بها؟